سيد محمد طنطاوي
8
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وذكر أنها تسمى المعمّة ، والمدافعة ، والقاضية ، ومعنى المعمة : التي تعم صاحبها بخير الدنيا والآخرة . ومعنى المدافعة التي تدفع عن صاحبها كل سوء ، ومعنى القاضية : التي تقضى له كل حاجة - بإذن اللَّه وفضله « 1 » . 3 - وقد افتتحت سورة « يس » بتأكيد صدق الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلم فيما يبلغه عن ربه ، وبتكذيب أعدائه الذين أعرضوا عن دعوته ، وبتسليته عما أصابه منهم من أذى . قال - تعالى - : يس والْقُرْآنِ الْحَكِيمِ . إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ . عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ . تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ . لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ . لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ . 4 - ثم ساقت السورة الكريمة بعد ذلك قصة أصحاب القرية ، وما جرى بينهم وبين الرسل الذين جاؤوا إليهم لهدايتهم ، وكيف أهلك اللَّه - تعالى - المكذبين لرسله . . . قال - سبحانه - : واضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ . إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ . قالُوا ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا ، وما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ . قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ . وما عَلَيْنا إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ . 5 - ثم تسوق السورة الكريمة بعد ذلك ، ألوانا من مظاهر قدرة اللَّه - تعالى - ، ومن نعمه على عباده ، تلك النعم التي نراها في الأرض التي نعيش عليها ، وفي الخيرات التي تخرج منها ، كما نراها في الليل والنهار . وفي الشمس وفي القمر ، وفي غير ذلك من مظاهر نعمه التي لا تحصى . قال - تعالى - وآيَةٌ لَهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها ، وأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْه يَأْكُلُونَ . وجَعَلْنا فِيها جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وأَعْنابٍ ، وفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ . لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِه ، وما عَمِلَتْه أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ . سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ ، ومِنْ أَنْفُسِهِمْ ومِمَّا لا يَعْلَمُونَ . 6 - وبعد هذا البيان الحكيم لمظاهر قدرة اللَّه - تعالى - ، وفضله على عباده ، حكت السورة الكريمة جانبا من دعاوى المشركين الباطلة ، وردت عليهم بما يخرس ألسنتهم ، وصورت أحوالهم عندما يخرجون من قبورهم مسرعين ، ليقفوا بين يدي اللَّه - تعالى للحساب والجزاء . . .
--> ( 1 ) راجع تفسير الآلوسي ج 22 ص 209 .